
: أيها الحضور الكريم
تتوخى هذه المداخلة اثارة نقاش مثمر حول بعض الأسئلة المرتبطة بدلالات وأبعاد تشكل اطار جمعوي وطني يجمع شريحة واسعة من الأطر والكفاءات والفعاليات النشيطة المنحدرة من اقليم الحسيمة. وتحديدا نحن نطمح أن نخوض معكم حوارا هادءا حول القيمة المضافة التي يمكن أو يفترض أن تقدمها " جمعية الريف للتضامن والتنمية" في سياق مشهد جمعوي مدني يتميز بتعدد مكوناته وتنوع اجتهاداته ، بغنى خبراته وبرحابة آفاق تطوره.
وقبل أن أشرع في تسليط بعض الأضواء من التحليل على الجوانب المرتبطة بسؤال القيمة المضافة المفترضة لجمعية الريف ، أود أن أستاذنكم لاثارة الانتباه الى امر لا يعرفه الا القليلون ممن واكبوا وتتبعوا عن كثب سيرورة تشكل هذه الجمعية. فمنذ أن استكملنا تشكيل هياكل اطارنا الجمعوي ، قبل حوالي شهرين ، حرصنا في أول اجتماع عقده اخوتكم وأخواتكم في المكتب التنفيذي أن يكون أول نشاط ندشن به مسيرة اطارنا الجمعوي الفتي هو تنظيم لقاء تواصلي هنا بمدينة الحسيمة مع جميع الأطر والفعاليات النشيطة في الحقول الجمعوية والاقتصادية و الاجتماعية والنقابية والحقوقية والسياسية.
لقد كان الهاجس الذي استبد بتفكيرنا ونحن نسارع الخطى لانضاج شروط انعقاد هذا اللقاء هو محاولة خلخلة حالد الجمود المهيمنة على العلاقة بين مختلف مكونات النسيج الجمعوي المحلي ، هو محاولة كسر ما أجرؤ على تسميته بالحلقة المفرغة التي آل اليها الفعل المدني الذي فجر ، خلال مرحلة ما بعد الزلزال ، ديناميكية اذهلت المراقب الموضوعي وأكسبت المجتمع المدني اشعاعا واحتراما كبيرين على المستويين الوطني والدولي.
لقد كان أغلبنا يعتقد ، بعد أن نجحنا جزئيا – أقول جزئيا – في التغلب عن الجراحات والآلام التي تسبب فيها الزلزال المدمرأن ثمة فرصة تاريخية نادرة قد لاحت في الأفق لاخراج منطقتنا من عزلتها الخانقة ولفرض قضاياها العادلة ومطالبها المشروعة على جدول الأعمال الرسمي أملا في وضعها على سكة الاندماج الحقيقي في النسيج الاقتصادي الوطني.
الآن وبعد مرور أكثر من ستة أشهر على فاجعة الزلزال يمكن للمراقب الموضوعي المحايد أن يلاحظ أن حالة من الفتور ومن التراخي قد أخذت تهيمن على الفعل المدني المستقل وان تلك الفرصة التاريخية النادرة التي اتاحها الزلزال قد باتت – بسبب تعاظم التحديات والمصاعب – مهددة بالضياع ، أو على الأقل مهددة بأن تفرغ من محتواها الايجابي . والسبب في ذلك ، أو دعوني أقول – توخيا للدقة – ان من بين الأسباب العميقة المسؤولة عن حالة التراخي تلك وعن تفاقم التحديات المتربصة بالفرصة التاريخية التي لاحت في سماء منطقتنا تكمن فينا نحن ، تكمن أساسا في عدم اقتناعنا بفضائل الحوار والتفاعل ، في عدم تجذر القناعة ، بالقدر الكافي من الرسوخ ، في فكرنا وممارساتنا ، بأهمية وضرورة الانصات لبعضنا البعض.
ولذلك ، وبالرغم من ادراكنا بوجود صعوبات حقيقية معيقة لأي مبادرة هادفة الى مد جسر التواصل والحوار ، أخذنا على عاتقنا في المكتب التنفيذي لجمعية الريف ، ومن دون أن تنال من عزيمتنا حملة التشكيك والنقد اللاذع التي ووجهنا بها في أحايين كثيرة ، أن ندعوكم للاجتماع حول مائدة واحدة لكي نتيح – أولا- لمطلب التواصل والتعارف بيننا فرصة التحقق ، ولكي – ثانيا – نساهم جميعا ، كل من موقعه وبحسب امكاناته ، في صياغة الأجوبة الواقعية الممكنة الكفيلة بانضاج شروط ضمان اقلاع اقتصادي حقيقي لمنطقتنا.
: أيها الحضور الكريم
ان قائمة القضايا التي يمكن أن تشكل موضوع حوار وتفاعل بيننا كفعاليات يسكنها هاجس رؤية منطقتهم وقد أعيد اليها الاعتبار بما يتناسب – أولا – مع تضحيات أبنائها وكفاحهم ،جيلا بعد جيل ، في سبيل حرية الوطن وكرامته ، وبما يتلائم – ثانيا – مع المؤهلات العديدة والمتنوعة التي تزخر بها – هي قضايا عديدة ومتنوعة : فاقليم الحسيمة ، ومنطقة الريف بصفة أعم ، لا يزال مطلوبا من أبنائها ( ومن كل الوطنيين التقدميين الغيورين على مصلحة ومستقبل بلدنا ) أن يبذلوا جهودا مستميتة في سبيل التخلص من تركة زهاء خمسة عقود من التهميش والعزلة ، أوضاعنا الاجتماعية والثقافية وكذلك بنياتنا التحتية ، سواء مايتعلق بترهل شبكة الطرق وبضعف بنيات الاستقبال أو ما يتعلق بتدني الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية أو مايتعلق بغياب مخطط متكامل لاستثمار مؤهلاتنا الطبيعية والسياحية والبشرية ... كل ذلك ، وغيرذلك ، يحتاج ، أكثر من أي وقت مضى ، الى تضافر الجهود ، الى عمل دؤوب ، الى التفاتات أعظم وأكبر مما جرى الاعلان عنه حتى الآن ، هذا اذا كنا نتطلع حقا الى اكساب منطقتنا موقعا يليق بها في الفضاء الاورومتوسطي الذي من المرجح أن تتبلور معالمه خلال السنوات القليلة القادمة.
: أيها الحضور الكريم
ان جميع هذه الهواجس كانت حاضرة في صلب النقاشات التي سبقت ورافقت عملية تأسيس جمعية الريف للتضامن والتنمية ، وهي بالتأكيد ستظل حاضرة عندما ستشرع لجاننا الوظيفية في صياغة مشاريعها وبرامج عملها خلال الأسابيع والشهور القليلة القادمة . وبطبيعة الحال ، نحن لا نحمل أوهاما في هذا الصدد لأننا نقيم ، في التعاطي مع قضايانا ومشاكلنا ، تمييزا دقيقا بين ممكنات المقاربة الواقعية التي يسمح بها ميزان القوى القائم وبين تمنيات المقاربة المثالية الحالمة . وفي سياق ذلك ، نحن نراهن بقوة على امكانية تبلور القناعة لدى مكونات نسيجنا الجمعوي المدني المحلي ولدى مختلف الفعاليات الغيورة بضرورة أن نعمل جميعا ، يدا في يد ، من أجل ابداع صيغ العمل المشترك الكفيلة بانضاج شروط انجاز تنمية مستدامة لمنطقتنا في مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هذه واحدة من القناعات التي يتقاسمها اخوتكم في المكتب المسير لجمعية الريف.
لقد تتبعنا باهتمام كبير مختلف ردود الفعل التي أثارها حدث تأسيس جمعية الريف للتضامن والتنمية ، ونحن نعرف أن هذا الحدث – ربما بسبب كونه الأول في نوعه وحجمه في تاريخ منطقتنا – قد شغل وما يزال رقعة واسعة من مساحة السجال في أوساط الرأي العام المحلي والوطني ، وفي صفوف المناضلين والفعاليات الوطنية . وفي الحقيقة فان الكثير من الأسئلة التي طرحت في سياق احتدام ذلك السجال كانت أسئلة عميقة ، مؤرقة ومقلقة في بعض الأحيان ، واذا تركنا جانبا بعض الأجوبة الجاهزة التي تناهت الى مسامعنا والتي كانت في معضم الأحيان أجوبة راكدة ، تقليدية ، مشدودة الى منطق اصدار أحكام قيمة بشكل جاهز ومسبق ، ومحكومة بمنطق تقليدي ماضوي لا يرى في الأفق الشديد التنوع سوى الأبيض والأسود ! اذا تركنا جانبا هذا الصنف من الاجوبة الجاهزة ، فأن الكثير، الكثير جدا ، من ردود فعلكم كانت مشجعة ومحفزة ، ولعل حضوركم المكثف في هذه الأمسية خير دليل على ذلك.
: أيها الحضور الكريم
لقد جاء تأسيس جمعية الريف للتضامن والتنمية استجابة واعية وواقعية في نفس الوقت لحاجات موضوعية غير مرتبطة على نحو مباشر بتداعيات الزلزال، لأن حلم تأسيس اطار جمعوي يجمع الأطر والفعاليات المنحدرة من منطقتنا هو حلم قديم راود جيل الستينات والسبعينات . وككل الأطر الجمعوية فان جمعية الريف، وانطلاقا من تصور واقعي وعقلاني ، تسعى الى تحقيق جملة أهداف سيتولى أخي وصديقي عبد السلام بوطيب تسليط بعض الأضواء من التحليل عليها بعد قليل . وهي ( الجمعية ) تعتقد أنها لا تمثل مجرد رقم ينضاف الى لائحة الجمعيات المنتشرة بكثرة على امتداد خارطة المراكز الحضرية والقروية لمنطقتنا، ولكنها تشكل، في اعتقادنا ، قيمة مضافة حقيقية .
صحيح اننا ندرك تماما أن المعيار الذي يحدد ما اذا كانت لجمعية الريف قيمة مضافة تذكر أم لا هو معيار الانجازات التي يتعين أن تحققها ميدانيا في حقول التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقا لما سطرته في أطرها المرجعية ، ولكن المعطيات المتوفرة لدينا تقطع بدرجة كبيرة من اليقين بأن الجمعية تنطوي على قيمة مضافة حقيقية وذلك لعدة اعتبارات أذكر من بين أهمها مايلي:
1 = ان الجمعية استطاعت لأول مرة في تاريخنا أن تجمع حول أرضية تصور واضح وأهداف واقعية شريحة واسعة من الأطر والكفاءات والفعاليات ذات خلفيات مهنية ومشارب معرفية وانتماءات سياسية وأيديولوجية متباينة ، بل ومتضاربة .( حوالي 350 اطارا موزعين على مدن الرباط-سلا- القنيطرة – المحمدية – الدار البيضاء- تطوان – طنجة – مكناس-فاس...الخ)، وفضلا عن الأهمية الحاسمة التي يكتسيها هذا الحدث بحد ذاته ، فان من شأن هذا التعدد والتنوع اللذان اجتهدت أطر الجمعية في ابداع الميكانيزمات الكفيلة بتحويلهما الى طاقة منتجة ومبدعة أن يساهم في اشاعة وتنمية قيم التضامن ببلادنا وفي خدمة قضايا التنمية بمنطقتنا .
2= ان الجمعية ساهمت بقسط وافر في النقاش العام الجاري، بل وكانت بسبب ما تختزنه من طاقات وكفاءات وراء اطلاق ديناميكية نقاش عمومي لا تزال تفاعلاته مستمرة حتى الآن. ودون التقليل من أهمية وجدية الاستفهامات والمخاوف التي طرحت في سياق تبلور تلك الديناميكية فان الأمل معقود على أن يفضي هذا النقاش الجاري الى تشكل وتبلور رأي عام يضغط باتجاه مضاعفة الاهتمام بقضايا تنمية المنطقة في مختلف أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
3= وفضلا عن نجاح الجمعية في تقنين ومأسسة جسر التواصل والتفاعل بين أجيال الأطروالفعاليات المنحدرة من المنطقة : بين جيل الستينات والسبعينات وجيل الثمانينات والتسعينات ، فان الجمعية بسبب الخبرات المهنية الغنية التي راكمتها فعالياتها والمستوى العلمي الرفيع لأطرها وبسبب تنوع انتماءاتهم القطاعية والوظيفية ... كل ذلك يعد بابداع مفهوم جديد للعمل المدني وللعلاقة بين الفعل المدني والفعل السياسي.
4 = وارتباطا بما سبق ومن منطلق اقتناعنا بوجوب بناء اطار جمعوي جدير بالاسم الذي يحمله فقد أخذنا على عاتقنا ، منذ أول خطوة قطعناها على طريق تجسيد حلم عانقته أجيال متلاحقة على أرض الواقع، أن نبتعد بمسافة كبيرة عن ذلك النمط المتخلف من العمل الجمعوي الذي تمثله ما صار يطلق عليه بجمعيات السهول والوديان ، وهكذا فقد حرصنا أشد ما يكون الحرص– في المناقشات التي دارت في اجتماعات اللجنة التحضيرية وفي مداولات المؤتمر التأسيسي وفي القانون الأساسي للجمعية – على صياغة ضوابط دقيقة للعمل وعلى ترسيخ منطق العمل المؤسسي وذلك بما ينسجم تمام الانسجام مع منظومة القيم الحداثية والديموقراطية التي اخترنا بوعي وتبصر الانتصار لها .
5 = وبالاضافة الى أن الجمعية تمتلك القدرة على الاضطلاع بواحدة من أهم وظائف المجتمع المدني ألا وهي الوظيفة الاقتراحية نظرا لتعدد الكفاءات المنضوية في اطارها وتنوع خلفياتها المهنية وتخصصاتها العلمية ، فان الجمعية ، واعتبارا لما تتوفر عليه من رأسمال ثقافي وعلمي وثقافي ، تشكل – من زاوية تحليلية مستقبلية – نواة صلبة لامكانية تشكل وانبثاق لوبي قد يضطلع ، اذا ما أحسنت الأجيال اللاحقة استثمار الطاقات والخبرات الهائلة المتاحة ، بواحدة من أهم وظائف الجماعات الضاغطة ، الا وهي وظيفة ممارسة الضغوط التي يبيحها القانون على صناع القرارلايلاء المنطقة الأهمية التي تستحقها .
أيتها السيدات ، أيها السادة :
شكرا لاستماعكم والكلمة لكم.
1= الكاتب العام لجمعية الريف للتضامن والتنمي
Copyright © جمعية الريف للتضامن والتنمية
12, avenue Fal Ould Oumer, app n° 3 ; Agdal .Rabat